حسن حسني عبد الوهاب
215
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
كثير من أبناء تونس في مدة إقامته بينهم ودوّنوا عنه . ومما هو جدير بالملاحظة هنا أن رواية الإفريقيين للحديث أكثر ما كانت بطريق المدنيين وسندهم ، وربما كان هذا هو السبب الأصلي في ميلهم بعد إلى الأخذ بآراء أهل المدينة وإيثار الكثير منهم لمذهب مالك بن أنس وأصحابه عما سواه . قال أبو العرب : حدثت عن سحنون عن ابن وهب عن مالك بن أنس قال : " أخبرني يحيى بن سعيد عن شيخ حدثه بالمغرب قال : " إذا بارك اللّه لعبد في حاجة أذن له فيها بالدعاء " زاد أبو العرب أن هذا الشيخ المرويّ عنه هو خالد بن أبي عمران . ومهما يكن من أمر فقد سار يحيى في إفريقية سيرة الأبرار الأخيار الساعيين لإعلاء كلمة الدين ، العاملين على الترغيب في مبادئ الإسلام العلياء ، السالكين مع أبناء البلاد سبل العفاف والنزاهة في القول والعمل . حكى الأخباريون " أنه فضلت ليحيى في سنة من السنين فضلة من الصدقة بتونس ولم يجد لمن يعطيها فاشترى خادما سوداء وأعتقها وأعطاها أربعين شاة تستعين بها في الحياة " . وحكى أبو العرب قال : " كنت في جامع مدينة تونس - جامع الزيتونة - مع بعض العلماء من أهلها فقال لي : هذا الباب ، وأشار إلى باب مغلق لا يفتح هو باب يحيى بن سعيد ومنه كان يدخل إذ كان بها " ولم يبين أبو العرب أي جهة من جهات الجامع كان هذا الباب ليتيسر معرفته الآن . وخلاصة القول : أن يحيى أقام في مدينة تونس أكثر من عشر سنين بث في أثنائها بين أبناء البلاد علما إسلاميا كثيرا وأخلاقا فاضلة ثم إنه رجع بعد ذلك إلى المدينة قبيل سقوط خلافة بني أمية . وتولّى القضاء بدار الهجرة مدة إلى أن ظهرت الدولة العباسية فقصد أبا جعفر المنصور واشتكى إليه احتياجه فاستقضاه على مدينة الهاشمية قرب الكوفة في العراق ، فاستقر يحيى هنالك إلى أن توفي في سنة 143 ه ( 720 م ) .